الجمعة، 19 أكتوبر، 2012

لم تنتهِ الحرب بعدْ!



كان صباح يعجُّ بغبار قصف الطائرات التي لا يكاد أنْ ينقطع هديرها ،طوال الحرب وهي تحلق بكثافة في سمائنا، ينبعث فيها نيران الرعب والموت ورائحة الجثث والأشلاء المحترقة والمتناثرة هنا وهناك...، ناهيك عن ركام المنازل فوق رؤوس أصحابها، و التي هدمت وقتلتْ أحلام و آمال ساكنيه.. شهداء في الشوارع،أطفال بجثثهم الطرية الصغيرة ،ملقاة على الطرقات، وجرحى يبحثون عمّن يداوي جراحهم النازفة دماً/ ،دماء على الجدران المنهارة ترسم خارطة الحياة، صرخات تحرج من كل مكان ،ولكنْ هيهات هيهات أن تجد مجيب!!!/
عيون على المجازر تذرف دمعاً وأخرى صامتة وعيون ظلامية الكلام واللسان ،ولا دور لها سوى التهكّم واللامبالاة والاسترخاص.والهدف هو أن يقدّم أهل غزة الطاعة والولاء والإذعان للمحتل القاتل بهمجيته وجنوده القاصرين عن الإطاحة بإرادة قاهرة ،وصلابة تقوى على جبروت تلمودهم ، هم أهل فلسطين في غزة ،وشجاعة من تبنّى هذه البقعة الجغرافية محطة نحوَ العودة ،وأضاعوا شموع الحرية في فضاء الكون وجاءوا بالأسطورة الفلسطينية التي أضاءتْ مجداً وعزة وكبرياء ،وقادوا ببسالتهم أروع المعارك، وكانوا فيها بأبهى نماذج الانتماء وروح التضحية والوفاء..، فكانتْ المعجزة التي تحقق فيها النصر الفلسطيني المجروح بالألم واختلط الجوع برائحة الدم والموت وكان الصبر طريق الانتصار /وبهذه الآلية ضربنا أروع الأمثلة عن المقاومة والنضال من أجل حرية غابتْ عن الأمة جمعاء دهوراً./

 دقّت الساعة الحادية عشرة والنصف صباحاً بتوقيت القدس، في تاريخ السابع والعشرين من كانون أول لعام 2008، فاختلطَ الزمان في متاهات القصف والاجتياحات، والدمار الشامل، التي شاهدها العالم كيف ومتى تمّتْ عبر فضائياته بأم عينيه.فأصبحت أعمدة الدخان تنصبُ نفسها في كل حدبِ وصوب ،فقد شعرتُ نفسي بأني في حلم من أحلام شخص فلسطيني (كعادتي)،يبحث عن حريته ،ولكن أصبح الحلم واقعاً يلامسُ الحياة في كينونتها ما دمت عربياً فلسطينياً
وتناثر صوت الحق بين جنازير الدبابات والمركفاة و مروحيات الطائرات، لأيام كانتْ فيها رجالات المقاومة في غزة تقبض على الجمر و تطعم أجسادها ،الدبابات ولا تهرب من أرض الفرقان ، كان الرجال هنا حق الرجال ،وكانتْ النساء يتجرّعن الموت دون صراخ ..، تبعثر الزمن، والوقت معلّق على رشاش الآلية الحربية للعدو ،لمْ يعد للوقت معنى سوى أنْ يقربنا أكثر من حتفنا ،نصبح نحن الواقفين فوق الركام ،هذه أشلاء تحت ركام أخر يقول مقاتل، ربما الزمن لم يحن بعد ، أو ربما بعد ساعات قليلة أو أيام قلائل، أو ربما في الاجتياحات القادمة ولن يكون موكباً جنائزياً تقام فيه الصلوات وتقرع فيه أجراس وأنغام الحزن والصمت ،ويقلب عليه اللون الأسود، بل إنها مواكب الفرح لأنها مواكب الشهداء الممتلئة بالزغاريد التي تخرج من تحت الحطام في ساحات أرض المعركة ،نحملهم على الأكتاف و نرقص فرحين بالحزن بما أتاهم الله من فضلة وهو الاستشهاد في سبيله../
وبالهتاف نودعهم و نعاهدهم، ونقبّلهم بزهر النرجس والعوسج، والريحان ، ونقدم لهم ولروحهم الولاء المقدس :يقول مقاتل. لا نعرف ما الذي يريده المحتل منّا وهو السارق لأرضنا وهو المحاصر لحريتنا وهو الذي يتقن لغة القتل فينا ،ويتلذذ بتعذيبنا ،فما الذي يريده بعدْ!!في غزة ،كان الحزن والألم معاً وعفوية سيدة جاوزتْ السبعين من عمر يحمل بين تجاعيد وجهها حزن الأيام وذكريات اللجوء ،وسنوات النكبة التي ما انقطعت أوجاعها حتى الآن ،تحاكي نفسها وهي تسير فوق المكان  على بقايا بيوت مخيم بيت لاهيا  وسط الأزقة التي تحوّلت ساحات مستوية بفعل الهدم التي قامت بها مجنزرات الاحتلال ،تبحث فيها عن أشلاء من داستْ أجسادهم الجنازير، واحترقت بالقنابل والفسفور الأبيض الحارق، الذي غطّى سماء المخيم ، كمْ كانت عصيّة غزة وصلبة وهي تتعرض لأبشع صور الارهاب في مواجهة عدو ليس من جنس البشر ولا يرحم ولا يحمل في جيناته من صفات الانسانية جيناً واحداً ،ولا يأبه بنداءات هيئات الأمم!، وقراراتها و دعوات المجتمع الدولي الكاذبة والخاذلة والمأسورة بأعمالهم الوقحة..! /عدوٌّ تعدّى بهذه كل أدبيات الحروب كعادته القديمة الجديدة ،التي مارسها في البدء حينما داس هذا التراب بعصاباته وشكّلت مجزرة دير ياسين أولى صوره وحتى وصل لمجزرة حربه على غزة و ما تبعها يومياً من أشكال الإرهاب ،ومروراً بكلّ أشكال الاحتلال التي ما خلت يوماً من بطشه و دمويته في شتى مدن وقرى الوطن الفلسطيني المغتصَب فما كان لغزة إلا الصمود ،يعني البقاء على هذه الأرض أحياء أو أموات وهذا بالفعل ما قرره أهل غزة ،وأبطال المقاومة الذين صنعوا الأسطورة وكان أجمل الرجال  وأنبلهم.في غزة كان الصوت الفلسطيني أعلى وأجل من أصوات الطائرات ،ودبابات الاحتلال ،مقاتلين قلّ نظيرهم فرساناً وقفوا أمام ترسانة الحرب الأولى في العالم ،بكل رجولة ،واستبسلوا في الدفاع عن أرضهم ،محطة العودة، عمالقة الرجال صنعت الأسطورة وقدمتْ أزواجها قرابيناً للحرية ،حتى صنعوا تاج الفخار على جبين كل فلسطيني وفلسطينية.../في غزة لمْ يعد لليل فيها مكان ،طلقات وصرخات وأنين أطفال ،حزن وبكاء وتكبيرات وهتاف بسقوط شهيد ،طيران وضجيج المدافع تدوي الثرى رماداً، وقنابل ورشاشات ، أصوات لم يعتاد عليها من قبل (سكان غزة)لم يعرفوا هذه الأصوات من أي جهة قادمة ، ولا على أي بيت أو حارة  ذاهبة ، فكل شيء مبهم طوال أيام الحرب ، لا تعرف من مات ومن بقيَ على قيد الحياة ،ولا تعلم من يُتّم و من أصيب ،ومنْ اعتقل إلى مكان مجهول ، في زمان (أيام الحرب)مجهول.، فالكل مجهول تحت نيران القصف الشديد،تحاول الاختباء خلف مكان أكثر أمناً ،أنت والعائلة والأطفال تحاول اسكات صيحاتهم وفزعهم ،وصراخهم فلم يستطيعوا النوم وسط كل هذا الضجيج والخوف .

يروي لنا بعض الجيران :بأنهم طلبوا بأن من ابنهم الكبير أنْ يلقي نظرة حول البيت  المحاصر بالآليات وجنوده والذي قد يغفل ولو قليلاً عن هذا البيت ، وأن يدركوا منفذاً لمكانِ آخر يؤيهم ،يكون أكثر أمناً ،ولكن كانت قناصة العدو أسرع من هذا التفكير ...،!!جندُ في كل مكان يبحثون عن الضحية والضحية شعب بأكمله ،جند يريد إخضاع غزة ،وكسر إرادة الناس هنا،  وهنا صوت يعلو ولا ينكسر ،وإرادة لن تلين ولن تعرف يوماً الإذعان ، كانت دلالات وجوه الاحتلال تشير إلى أنهم جاءوا لمحاربة ثأر قديم ،وكانتْ صرخاتهم مليئة بالخوف والرعب وكانوا يطلقون النيران والقنايل في كل مكان ، وكانوا يحملون كل أشكال السلاح، ويرمون به في كل اتجاه ، حتى أصبحتْ بقعة غزة مسرحاً لحرب إبادة علنية ، تُبث مباشرة عبر قنوات عالمية ، ولا أحد يحرك ساكنه عن كرسيه ،لأيقاف بث هذه المجزرة ،بلْ وقفوا يشاهدون الصور ، ولمْ يتأثروا إطلاقاً وبم نسمع سوى خطابات الشجب والاستنكار الخجولة ،التي كانت تصدر بين الحين والآخر، ووسط المعركة كانتْ غزة تعجّ بالقتلى ، وتفيض ألماً وأنهاراً من الدماء الزكية التي وصلت بشلالاتها إلى أراضٍ عربية! ولكن لا جدوى من حكومات حكمتنا !!

|صمتٌ مريب ، هلْ يصبح يوماً ثورة من أجل استعادة القدس وكرامتها!!|
أحمد الجزار 13،تشرين أول 2012 

الثلاثاء، 2 أكتوبر، 2012

في القدس


أنا لم أزر القدس قط ، ولكن منذ أنْ ولدتُ ، وأنا أسمع بالقدس و مساجدها و شوارعها و حاراتها ..، فكيف لي بتهويد آثارها و طمس معالمها ، أن أخفي ذاكرتي مما قد ملأته أملاً و حباً ببلد الإسراء و المعراج ، بلد فيها المسجد الأقصى و قبة الصخرة ، و لكنّي أنظر بمستقبل قريب ، أنْ أعيش أنا وأنتم و نحن ـ هناكـ ـ 
، كان ذلك عاجلاً أمْ آجلاً ...

هكذا وطني سيداتي وسادتي في القدس
في القدس رائحة الصلاة
في القدس بيتٌ قدسه النبي
في القدس مسجد و قبة
مسجدٌ دُمّر مراراً و تكراراً
قبة ذهبية اللون
قد تلامس بجمالها السماء
تعكس أشعة الشمس ، لتضيء فيها بيوتاً
و تشرق نهاراً خالصاً بذاته
في القدس حجارة وأبنية ذو لون ورائحة خاصة
في القدس
جدار من أروع الحجار 
وأبهر الأبواب من النخيل
في القدس بشرٌ ، عجزَ الإفرنجي و الصهيوني من مجاكرته
في القدس بلدٌ ،لا تحاكي مثيلاتها من بلاد
للقدس أبوابٌ..
لكل بابٍ حكاية ، و مع كل حكاية قصة ، و في كل قصة ثورة
فأبوابها تصرخ بهمسات خافتة خائفة، لمن يدقها
القدس ،بمساجدها و كنسها ، تراودني في منامي
رغم جرحٍ ، طال غيابه دهور
للقدس جهادٌ و صمود ، صفّق المجد له
في القدس عز و فخر و براءة أطفال
يقاوموا رغم أيادهم الصغيرة الجلّاد بعنجهيته
يؤرقني أنين الأقصى و جرح القيامة و موت الثقافة و التاريخ
لا يجد من يشفي غلة صدره
إلا حين أن نجدَ ركوض أطفالنا هناك
بدم الأبطال هناك مصبوغاً لوانا
بدم الأحرار تسقي الأرض طهراً
أنهاراً حمراً ، وأنغاماً حزانى
القدس شرف باهتَ فلسطين بروّادها
و بناءٌ مزخرفٌ بآيات الرحمن لا يدانى
القدس تنزف جرحاً سال من جبهتها
و أنيناً باحتْ به النجوى
القدس عربية إسلامية مسيحية
فيها أنفسٌ عزيزة ذو طعمٍ طيب
و أنفساً جبارة تأبى الهوانا
في القدس صهيوني، لم يبلغ أشده
يقتل ،و يهين من به عزة ووفاء
يحمل بين أحضانه بندقية ،أتقل من وزنه
يطلق بها رصاصات في باحات الأقصى
مترنماً بأصواتها ..
للقدس جهادٌ وصمود ،صفّق المجد له ..