الأحد، 30 ديسمبر، 2012

عشرون عاماً...

من أجمل المقولات ، عندما يتخللها قصص وطنية نستوحيها من وحي الواقع ، فأنا ولدتُ في عام ألف و تسعمائة و ثلاثة وتسعين ، عام وُقّعتْ فيه اتفاقية الإهانة والإذلال في أوسلو ، الإتفاقية التي أذلت العرب عامة و الفلسطنيين خاصة ، والتي شكلت بمجملها مع ملحقاتها الاقتصادية من اتفاقيات كإتفاقية باريس ، وصمة عار على جبين كل فلسطيني ، بحيث وقع الفلسطيني إثرَ هذه الإتفاقية تحتَ الذل والإذعان ... ، ولكن شهادة الميلاد الرسمية تدلّ دليلاً واضحاً على نشأتي في بلادٍ غير بلادي وهي (ليبيا) وفي عام يسبق هذا العام ببضع أيام ، وذلك تمهيداً لإلتحاقي للمدرسة مبكراً.

 في السنة الأولى ، لم أدرك أيْ معنى للحياة وواصلتها بالثانية ، ولكنْ الجميل في الثانية هو في شقَّي الآخر ، وعلمتُ أن طفلاً جديداً سيأتي ويحتل مكاني ونصيبي و يجنبني قليلاً عن حنان والديّ. يقولون بأني كنت مشاكساً ، لعوباً ، أبله ، لا أنأى عن تخريب حاجياتي و ألعاب أخوتي وأصدقائي.
 و في السنة الثالثة كانت يكثر فيها مغامرات مع سيارات صغيرة ، كانت أمي تبتاعها لي ، وقد بلغت حينها من الفن في التخريب شيئاً ، فقد ملأني كثيراً من الشغف، والشعور بالفضول في معرفة سر عمل السيارة ، وكيفية إصدار الصوت منها و غيره .. ، وربما لا أذكر كثيراً يزيد عن ذلك .

في السنة الرابعة ، كانت سنة أيضاً مفعمة بالألعاب و الحكايات الطفولية البريئة التي لم أذكر منها الكثير .
في الخامسة كانت أوّل خطواتي الجريئة خارج البيت ، وكانت بدايةً لحياة علمية ، إذ التحقتُ بأحد رياض الأطفال ، وزاملتُ بعض الأصدقاء ذوي العيون اللامعة، ـ وكأنّ في مخيلتك أخي القاريء بأني التحقتُ بكلية الطب البشري مبكراً آنذاك ـ، لكن لا بأس من حياة الأطفال.
وفي السنة التي التحقتُ فيها بالمدرسة الإبتدائية في عامي السادس ،فقد تعلّمتُ القليل من الحساب والأبجديات العربية ، كنت دائماً منضبطاً ملازماً في الفصل ، على الرغم من أنّي قد ابتدأتُ حياتي مشاكساً .

بعد الإنتهاء من العام المدرسي الأول ، قرر والدي الرحيل عن البلد التي نشأت فيها ، وكان ذلك في صيف عام ألف و تسعمائة و تسعة وتسعين ،و قد أذكر بأنّ رحلة الرحيل ، كانت شاقة و متعبة لي. ، ولم يكنْ في مخيلتي ولا بين سطور ذاكرتي وجود نظام مصري سابق ، وجندي صهيوني يقف على بوابة المعبر ،يسمح بدخول من يهوى به.
هذا كان حديث القرن الماضي ،وأما عن الحالي ،الذي قد أهان الحر العزيز الأبي، وأورثت أهله الشقاء في بقاع الأرض.

بدايةً كانت الانتفاضة ،حين دخولي السنة السابعة، كنت حينها في الصف الثاني الإبتدائي ، فقد التحقتُ بمدرسة غزة المشتركة في مدينة غزة ، فهي مدرسة بُنِيتْ خصيصاً للاجئين. فلم أعلم سرّ الانتفاضة جيداً ولا سبب الصراع ، أذكر حينها بأني كنت جالساً في بيت جدي ،و سمعتُ رجالاً قد قاموا بالتصدي و بعض المناوشات مع العدو، مع بداية الانتفاضة، وكنتُ أسمع لخطابات رئيسٍ هنا وهناك عبرَ التلفاز، وتحليلات أهل البيوت ، ولكني لم يتسنى لي أنْ أدركتَ شيئاً .
أذكر أنّ في ذلك العام أن ذاكرتي كانت مليئة من القراءات المشوّهة التي لا رباط بينها ، والتي تجلّت أمرها بعد أعوام ـوالتي كانت من الصعب حينها تحليل ثناياها أو توضيح أسرارهاـ
في عامي العاشر انتقلتُ إلى فضاء جديد كان يُهيَّيء لي بأنّه سيكون أجمل وأشد بهاءً وأملاً ، ولكن مع قليل من الحزن لفراقي لمكانٍ أحببته كثيراً.

في ذلك العام حدثت عملية "السور الواقي" ،أيْ في عام 2002 ، التي لم يتسنَ لي أنْ عرفتَ اسمه إلا بعد أن بلغت من الوعي والنضج درجةً . فكان حصار ياسر عرفات الشهيد الذي لمْ أكن أحبه ، وكثيرٌ من أطياف الشعب حينها ، لم يحبونه مثلي.
ربما كان ذلك لإقترانه باسم السلطة الفلسطينية ،التي وصلت بسمعتها إلى الحضيض شيئاً لم يسبق له مثيل (امتلأت ساحاته فساداً واختلاساً وسرقات و غيرها من الفضائح ...) ، ققد كان روّادها ابتدعوا الطرق في السرقات والنهب ، فقد كان الشهيد أبو عمار رافضاً بشدة لهذه الأشكال المشينة ، وقد كان يفاوض العدو مفاوضات وإنْ لم تكن مقبولة ،ولكن ذلك في سبيل دعم المقاومة ـ من تحت الطاولةـ
و لكن أهل المكر والدهاء ما كان لهم إلا أن يأتوه في رام الله ، وحصاره لمدة أربعين يوماً ، وكادوا أن يقتلوه أمام مرأى و مسمع العالم وحكامه.

في العام ألفين وثلاثة ،هذا العام الغريب المليء بالتفاصيل والدراما الكريهة لي ،وللعالم العربي المحبّ للخير.
في أحد أيامي المدرسية ، بعد أن قرع جرس المدرسة، إيذاناً لنا بالذهاب إلى البيوت ، فقد ركبت الباص المدرسي متجهاً إلى البيت بعد يوم دراسي مرهق كالعادة ، فأجالس التلفاز مع أهل بيتي ، وإذ يسقط على سمعي خبر لم أكن أتوقعه ـ سقوط بغداد ـ ،ولكن كان في مخيلتي بأنّ للمكر والخيانة حدود ونهاية، عند حديثك عن بلد ورئيس يمني نفسه من أجل بلد ذو رخاء وتطور ورقي ، فإذا بأزلام حاشية الرئيس العراقي آنذاك يفشون أسرار العملية للعدو الأمريكي ، فقد كنتُ حينها أنتظر اللحظة التي يعلن العراق نفسه انتصاره ، وتربعه على أحد درجات السلّم العالمي في مجلس الأمن ـ مجرد خيال طفل صغير في الحادية عشر من عمره ـ .
هكذا تعلمتُ في ذلك العام ، بأن واقعنا العربي أسوأ مما يخطر على بال المثقفين والمتعلمين والساسة ،فكيف لخيالات الأطفال.
في عامي الثاني عشر التحقت في المدرسة الإعدادية ، فكانت مرحلة مليئة بالأحداث البريئة التي هيهات أنْ أرى مثيلاً لها، أما في نفس العام متوالية لأحداث سيئة من أحداث سبقتها ، إذ أعلنت الحكومة الفرنسية في الحادي والعشرين من تشرين الثاني ،استشهاد  القائد ياسر عرفات ، بعد صراعه مع مرض غامض ، فمنذ ذلك التاريخ لم نسمعْ برئيس يحبّ شعبه و يموتَ من أجله كأبو عمار .

بعد استشهاد أبو عمار ، أصبح الشعب بلا قيادة حقيقية ، فتصارعتْ الشخصيات في الأحزاب الكبيرة، عمن يخلف منصب عرفات .
في عام ألفين و خمسة ، قرر أرئيل شارون إخلاء مستوطنات قطاع غزة وانسحابه منها ، حينها كنت في الثالثة عشر من عمري، لم أدرك بأن انسحابه من غزة يحمل بين ثناياه الحقد الدفين ،و يوصلنا إلى حالنا المأساوي الذي نحن عليه الآن.

و في عامي الرابع عشر في الألفين وستة، كان عاماً مليئاً بالتفاصيل والحكايات المؤثرة ،التي يقشعر لها الأبدان عند الحديث عنها، كان عاماً سياسياً بإمتياز ، التي تضجر منها الأسماع وتذرف لها الدموع دمعاً حزيناً.


ابتداءاً بحملاتٍ انتخابية لمرشحي الرئاسة الفلسطينية خلفاً لعرفات ، تليها حملات أكبر للمتنافسين على السلطة التشريعية ،في بلاد لا يتجاوز مساحتها أشبارٍ عديدة.
حينئذ لم أكن أفقه المعنى الحقيقي للشعارات التي كانت ترفع من قبل فصيل أو آخر، إلا بكلماتها الواضحة الجلية ، وليس مستقبل العمل بها ، فقد لم أكن أُعجَب بشعارات حركات علمانية ، وأخرى مستقلة ، ولكنْ أُعجبتُ بشعارات أرادت التغيير ، مع أني لو أُعجبت بشعارات حركات مستقلة لكان أهون وألطف.
كانت الشوارع مليئة بالأعلام والرايات والناس المناوين للأحزاب وصراخات ، ومهللين ، يجوبون شوارع الوطن ،إعلانًا لمرشحيهم .،فكان في تاريخ الخامس والعشرين، من كانون الثاني من عام ألفين وستة ، كان القرار النهائي لاختيار الرئيس وهيكلة الحكومة ، بدأوا الناس صباحاً بالتوافد إلى مراكز الاقتراع .

في ذلك الحين ،قد انتابني شيء من الحزن لأنّ لم يكن من حقي الانتخاب ، وقد جاء في بالي حينها بأنّ في عام ألفين وعشرة ، من حقي الانتخاب وأني قد اجتزتُ السن القانوني ، ولكن كانت مخيلتي ضيّقة ومحدودة ولم أدرك ولم أعلم بأنّ الحال الفلسطيني كغيره من حال العرب ،بأنّ بعد إجراء الانتخابات ،لا حاجة لانتحابات جديدة أخرى تتبعها بعد أربع سنوات ،فكلّ الأحزاب اكتفت بنصيبها.

في عامي الدراسي ، المليء بالحيوية والنشاط الذاتي ،إذ اشتركتُ بالبرلمان المدرسي ، الذي يشكّل نموذجاً مبسطاً عن البرلمان الفلسطيني ،فقد قمت بأيامٍ جميلة فيه ،فقد شعرت نفسي كإنني أقوم بواجب وطني بإتجاه شعبي هو "المدرسة".
في العام نفسه، كان أوّل خطواتي واعياً خارج وطني ، إلى قاهرة المعزّ ،هناك رأيتُ معنىً آخراً للحياة ،قضيتُ أجمل أيامي مع أهلي وأشقائي.
تعرّفت على أماكن أثرية وقمتُ بزيارتها، والتي قد ادّاركتها يوماً في صفحات كتبي المدرسية ..
بعد أن انتهيتُ من رحلة ممتعة ،توجهت إلى وطني الأسير، الذي محالٌ أنْ يرى الفرحة يوماً ،ولكنّ نصر الله لعباده لقريب.
بعد أيام قليلة ، شعرت بأنّ أيام الصيف بدأ حرّه بالإشتداد ،فشاليط صار في غزة أواخر حزيران، والكهرباء انطفأتْ مع أول أيام قدومه
، وتمّ اختطاف أعداد كبيرة من الفسلطينين رداً على الاختطاف..

وبدأت الأحلام تكبر وتنمو وتتسع ، وتقارب بين البعيد الغامض والبعيد البيّن ،ويمضي الصيف مسرعاً كخيال الظلام.
فالوطن منذ ذلك الحين أصبح قسمان ،كصفحتين من كتاب لا رابط بينهما، فمنذ ذلك التاريخ أصبح الوطن أكثر بعداً لنيله.

ألفين وسبعة كانت سنتي الأولى مع آخر مرحلة مدرسية ، التحقت في مدرسة شيّدها الشهيد أبو عمّار في عام 2004 قبل استشهاده ، وإنني أفخر بأنّي كنت يوماً أنتمي إلى مقاعدها.
فقد تعلمت فيها الكثير ،و جاورت أعزّ الأصدقاء والزملاء ، الذين قرروا أن يلتحقوا في الجامعات ما يشتهونه .
في العام ألفين وثمانية ممزوجاً بعام ألفين وتسعة ،وهو العام الذي يسبق العام المدرسي الأخير، بدأ بإضراب المعلمين وانتهى أيضاً بإضراب للمعلمين.

ولكنْ خلال هذا العام مرّ بغزة ومدارسها حربٌ ، وهي الأولى من نوعها منذ حرب نكسة عام 1967 ، فهي الحرب التي زادتْ من مراراة العيش ، والتي سرعان ما أدرك بأن الأمور تختلف عن العادة، فهي حرب سيدفع فيها الخاسر قوت قاتله ،ويصبح المقتول بداره و أهله غنيمة لقاتله، حربٌ دموية قُتل فيها الحجر والشجر قبل البشر ،حرب في بضع وعشرين يوماً لم تبق من المنازل والمآذن شيئاً ولم تذرْ . ولم تترك من أهل بيت ولا عشيرة ، إلا وتركتْ بصمة حزنٍ وألم ،لكننا بكل لم ننهزم.

كُنّا للثبات والصبر عنواناً يحتذى به في أرجاء العالم، نمرّ بعام ألفين وعشرة العام الذي كنتُ انتظره ، وأنّي قد فقدتُ واجتزت مرحلة الطفولة بثماني عشر سنة ، في هذا العام الجميل ، إذ كنت طالباً في الثانوية العامة، عام فيه للحيوية والنشاط مكاناً ، وحضّرتُ نفسي لنْ أغادرَ مرحلة من مراحل الحياة .

في عام ألفين وأحدَ عشر ،عام وجدنا فيه سقوط الزعماء ، فقد قررت الرحيل والابتعاد إلى بلاد غير بلادي ...
وفي عام 2012 ،كان ملء أحداثها يفوق وصف وخيال القاريء ،ولكنها انتهت بتشرين حار ،كانت فيها حرب الأيام الثمانية ،وخضت هذه الأيام كمن عاش في تلك الأيام في غزة ، حرب أيضاً كرر العدو الصهيوني عاداته ،التي ذكرناها سابقاً ،كما عرفناه في كافة الحروب والمعارك التي خضناها مع ذاك العدو الوقح.
ولكن الفرق في هذا ،بأنّي شعرت بالحرب من وراء شاشات التلفاز، ولكن نحمدُ الله تعالى على كلّ حال، و منحَ الصبر والسلوان لأهالي الشهداء، وشافى جرحانا.


تعلّمتُ بأنّ الحياة لا تسير إلا تحت عنوان الدين والإيمان ، وأنّ الحياة سواها ضنك وعبث وحزن.
و تعلّمت بأنّ الله لا يضيع عباده ، وأنّ الله يخيّر لنا ما فيه خيرٌ وصلاح لنا وللأمة , وتعلّمت بأنّ الله يزجي المحبة في قلوبنا وقلوب محبينا ، ويبارك فيها حين ننادي بها ونعيش بها.


اليوم هذا الذي أوردتُ فيه قولاً طويلا في آخر ساعاته ،هو العام المليْ بالتفاصيل الكثيرة ، وليخيرَ الله لي ما أحبُّ أنْ أكون ، لي ولأهلي ولوطني ،وما كنت أحبّ أن أكون هنا في براتسلافا ،وأكتب هذا القول في عشية عشريني ...





الجمعة، 19 أكتوبر، 2012

لم تنتهِ الحرب بعدْ!



كان صباح يعجُّ بغبار قصف الطائرات التي لا يكاد أنْ ينقطع هديرها ،طوال الحرب وهي تحلق بكثافة في سمائنا، ينبعث فيها نيران الرعب والموت ورائحة الجثث والأشلاء المحترقة والمتناثرة هنا وهناك...، ناهيك عن ركام المنازل فوق رؤوس أصحابها، و التي هدمت وقتلتْ أحلام و آمال ساكنيه.. شهداء في الشوارع،أطفال بجثثهم الطرية الصغيرة ،ملقاة على الطرقات، وجرحى يبحثون عمّن يداوي جراحهم النازفة دماً/ ،دماء على الجدران المنهارة ترسم خارطة الحياة، صرخات تحرج من كل مكان ،ولكنْ هيهات هيهات أن تجد مجيب!!!/
عيون على المجازر تذرف دمعاً وأخرى صامتة وعيون ظلامية الكلام واللسان ،ولا دور لها سوى التهكّم واللامبالاة والاسترخاص.والهدف هو أن يقدّم أهل غزة الطاعة والولاء والإذعان للمحتل القاتل بهمجيته وجنوده القاصرين عن الإطاحة بإرادة قاهرة ،وصلابة تقوى على جبروت تلمودهم ، هم أهل فلسطين في غزة ،وشجاعة من تبنّى هذه البقعة الجغرافية محطة نحوَ العودة ،وأضاعوا شموع الحرية في فضاء الكون وجاءوا بالأسطورة الفلسطينية التي أضاءتْ مجداً وعزة وكبرياء ،وقادوا ببسالتهم أروع المعارك، وكانوا فيها بأبهى نماذج الانتماء وروح التضحية والوفاء..، فكانتْ المعجزة التي تحقق فيها النصر الفلسطيني المجروح بالألم واختلط الجوع برائحة الدم والموت وكان الصبر طريق الانتصار /وبهذه الآلية ضربنا أروع الأمثلة عن المقاومة والنضال من أجل حرية غابتْ عن الأمة جمعاء دهوراً./

 دقّت الساعة الحادية عشرة والنصف صباحاً بتوقيت القدس، في تاريخ السابع والعشرين من كانون أول لعام 2008، فاختلطَ الزمان في متاهات القصف والاجتياحات، والدمار الشامل، التي شاهدها العالم كيف ومتى تمّتْ عبر فضائياته بأم عينيه.فأصبحت أعمدة الدخان تنصبُ نفسها في كل حدبِ وصوب ،فقد شعرتُ نفسي بأني في حلم من أحلام شخص فلسطيني (كعادتي)،يبحث عن حريته ،ولكن أصبح الحلم واقعاً يلامسُ الحياة في كينونتها ما دمت عربياً فلسطينياً
وتناثر صوت الحق بين جنازير الدبابات والمركفاة و مروحيات الطائرات، لأيام كانتْ فيها رجالات المقاومة في غزة تقبض على الجمر و تطعم أجسادها ،الدبابات ولا تهرب من أرض الفرقان ، كان الرجال هنا حق الرجال ،وكانتْ النساء يتجرّعن الموت دون صراخ ..، تبعثر الزمن، والوقت معلّق على رشاش الآلية الحربية للعدو ،لمْ يعد للوقت معنى سوى أنْ يقربنا أكثر من حتفنا ،نصبح نحن الواقفين فوق الركام ،هذه أشلاء تحت ركام أخر يقول مقاتل، ربما الزمن لم يحن بعد ، أو ربما بعد ساعات قليلة أو أيام قلائل، أو ربما في الاجتياحات القادمة ولن يكون موكباً جنائزياً تقام فيه الصلوات وتقرع فيه أجراس وأنغام الحزن والصمت ،ويقلب عليه اللون الأسود، بل إنها مواكب الفرح لأنها مواكب الشهداء الممتلئة بالزغاريد التي تخرج من تحت الحطام في ساحات أرض المعركة ،نحملهم على الأكتاف و نرقص فرحين بالحزن بما أتاهم الله من فضلة وهو الاستشهاد في سبيله../
وبالهتاف نودعهم و نعاهدهم، ونقبّلهم بزهر النرجس والعوسج، والريحان ، ونقدم لهم ولروحهم الولاء المقدس :يقول مقاتل. لا نعرف ما الذي يريده المحتل منّا وهو السارق لأرضنا وهو المحاصر لحريتنا وهو الذي يتقن لغة القتل فينا ،ويتلذذ بتعذيبنا ،فما الذي يريده بعدْ!!في غزة ،كان الحزن والألم معاً وعفوية سيدة جاوزتْ السبعين من عمر يحمل بين تجاعيد وجهها حزن الأيام وذكريات اللجوء ،وسنوات النكبة التي ما انقطعت أوجاعها حتى الآن ،تحاكي نفسها وهي تسير فوق المكان  على بقايا بيوت مخيم بيت لاهيا  وسط الأزقة التي تحوّلت ساحات مستوية بفعل الهدم التي قامت بها مجنزرات الاحتلال ،تبحث فيها عن أشلاء من داستْ أجسادهم الجنازير، واحترقت بالقنابل والفسفور الأبيض الحارق، الذي غطّى سماء المخيم ، كمْ كانت عصيّة غزة وصلبة وهي تتعرض لأبشع صور الارهاب في مواجهة عدو ليس من جنس البشر ولا يرحم ولا يحمل في جيناته من صفات الانسانية جيناً واحداً ،ولا يأبه بنداءات هيئات الأمم!، وقراراتها و دعوات المجتمع الدولي الكاذبة والخاذلة والمأسورة بأعمالهم الوقحة..! /عدوٌّ تعدّى بهذه كل أدبيات الحروب كعادته القديمة الجديدة ،التي مارسها في البدء حينما داس هذا التراب بعصاباته وشكّلت مجزرة دير ياسين أولى صوره وحتى وصل لمجزرة حربه على غزة و ما تبعها يومياً من أشكال الإرهاب ،ومروراً بكلّ أشكال الاحتلال التي ما خلت يوماً من بطشه و دمويته في شتى مدن وقرى الوطن الفلسطيني المغتصَب فما كان لغزة إلا الصمود ،يعني البقاء على هذه الأرض أحياء أو أموات وهذا بالفعل ما قرره أهل غزة ،وأبطال المقاومة الذين صنعوا الأسطورة وكان أجمل الرجال  وأنبلهم.في غزة كان الصوت الفلسطيني أعلى وأجل من أصوات الطائرات ،ودبابات الاحتلال ،مقاتلين قلّ نظيرهم فرساناً وقفوا أمام ترسانة الحرب الأولى في العالم ،بكل رجولة ،واستبسلوا في الدفاع عن أرضهم ،محطة العودة، عمالقة الرجال صنعت الأسطورة وقدمتْ أزواجها قرابيناً للحرية ،حتى صنعوا تاج الفخار على جبين كل فلسطيني وفلسطينية.../في غزة لمْ يعد لليل فيها مكان ،طلقات وصرخات وأنين أطفال ،حزن وبكاء وتكبيرات وهتاف بسقوط شهيد ،طيران وضجيج المدافع تدوي الثرى رماداً، وقنابل ورشاشات ، أصوات لم يعتاد عليها من قبل (سكان غزة)لم يعرفوا هذه الأصوات من أي جهة قادمة ، ولا على أي بيت أو حارة  ذاهبة ، فكل شيء مبهم طوال أيام الحرب ، لا تعرف من مات ومن بقيَ على قيد الحياة ،ولا تعلم من يُتّم و من أصيب ،ومنْ اعتقل إلى مكان مجهول ، في زمان (أيام الحرب)مجهول.، فالكل مجهول تحت نيران القصف الشديد،تحاول الاختباء خلف مكان أكثر أمناً ،أنت والعائلة والأطفال تحاول اسكات صيحاتهم وفزعهم ،وصراخهم فلم يستطيعوا النوم وسط كل هذا الضجيج والخوف .

يروي لنا بعض الجيران :بأنهم طلبوا بأن من ابنهم الكبير أنْ يلقي نظرة حول البيت  المحاصر بالآليات وجنوده والذي قد يغفل ولو قليلاً عن هذا البيت ، وأن يدركوا منفذاً لمكانِ آخر يؤيهم ،يكون أكثر أمناً ،ولكن كانت قناصة العدو أسرع من هذا التفكير ...،!!جندُ في كل مكان يبحثون عن الضحية والضحية شعب بأكمله ،جند يريد إخضاع غزة ،وكسر إرادة الناس هنا،  وهنا صوت يعلو ولا ينكسر ،وإرادة لن تلين ولن تعرف يوماً الإذعان ، كانت دلالات وجوه الاحتلال تشير إلى أنهم جاءوا لمحاربة ثأر قديم ،وكانتْ صرخاتهم مليئة بالخوف والرعب وكانوا يطلقون النيران والقنايل في كل مكان ، وكانوا يحملون كل أشكال السلاح، ويرمون به في كل اتجاه ، حتى أصبحتْ بقعة غزة مسرحاً لحرب إبادة علنية ، تُبث مباشرة عبر قنوات عالمية ، ولا أحد يحرك ساكنه عن كرسيه ،لأيقاف بث هذه المجزرة ،بلْ وقفوا يشاهدون الصور ، ولمْ يتأثروا إطلاقاً وبم نسمع سوى خطابات الشجب والاستنكار الخجولة ،التي كانت تصدر بين الحين والآخر، ووسط المعركة كانتْ غزة تعجّ بالقتلى ، وتفيض ألماً وأنهاراً من الدماء الزكية التي وصلت بشلالاتها إلى أراضٍ عربية! ولكن لا جدوى من حكومات حكمتنا !!

|صمتٌ مريب ، هلْ يصبح يوماً ثورة من أجل استعادة القدس وكرامتها!!|
أحمد الجزار 13،تشرين أول 2012 

الثلاثاء، 2 أكتوبر، 2012

في القدس


أنا لم أزر القدس قط ، ولكن منذ أنْ ولدتُ ، وأنا أسمع بالقدس و مساجدها و شوارعها و حاراتها ..، فكيف لي بتهويد آثارها و طمس معالمها ، أن أخفي ذاكرتي مما قد ملأته أملاً و حباً ببلد الإسراء و المعراج ، بلد فيها المسجد الأقصى و قبة الصخرة ، و لكنّي أنظر بمستقبل قريب ، أنْ أعيش أنا وأنتم و نحن ـ هناكـ ـ 
، كان ذلك عاجلاً أمْ آجلاً ...

هكذا وطني سيداتي وسادتي في القدس
في القدس رائحة الصلاة
في القدس بيتٌ قدسه النبي
في القدس مسجد و قبة
مسجدٌ دُمّر مراراً و تكراراً
قبة ذهبية اللون
قد تلامس بجمالها السماء
تعكس أشعة الشمس ، لتضيء فيها بيوتاً
و تشرق نهاراً خالصاً بذاته
في القدس حجارة وأبنية ذو لون ورائحة خاصة
في القدس
جدار من أروع الحجار 
وأبهر الأبواب من النخيل
في القدس بشرٌ ، عجزَ الإفرنجي و الصهيوني من مجاكرته
في القدس بلدٌ ،لا تحاكي مثيلاتها من بلاد
للقدس أبوابٌ..
لكل بابٍ حكاية ، و مع كل حكاية قصة ، و في كل قصة ثورة
فأبوابها تصرخ بهمسات خافتة خائفة، لمن يدقها
القدس ،بمساجدها و كنسها ، تراودني في منامي
رغم جرحٍ ، طال غيابه دهور
للقدس جهادٌ و صمود ، صفّق المجد له
في القدس عز و فخر و براءة أطفال
يقاوموا رغم أيادهم الصغيرة الجلّاد بعنجهيته
يؤرقني أنين الأقصى و جرح القيامة و موت الثقافة و التاريخ
لا يجد من يشفي غلة صدره
إلا حين أن نجدَ ركوض أطفالنا هناك
بدم الأبطال هناك مصبوغاً لوانا
بدم الأحرار تسقي الأرض طهراً
أنهاراً حمراً ، وأنغاماً حزانى
القدس شرف باهتَ فلسطين بروّادها
و بناءٌ مزخرفٌ بآيات الرحمن لا يدانى
القدس تنزف جرحاً سال من جبهتها
و أنيناً باحتْ به النجوى
القدس عربية إسلامية مسيحية
فيها أنفسٌ عزيزة ذو طعمٍ طيب
و أنفساً جبارة تأبى الهوانا
في القدس صهيوني، لم يبلغ أشده
يقتل ،و يهين من به عزة ووفاء
يحمل بين أحضانه بندقية ،أتقل من وزنه
يطلق بها رصاصات في باحات الأقصى
مترنماً بأصواتها ..
للقدس جهادٌ وصمود ،صفّق المجد له ..

الجمعة، 21 سبتمبر، 2012

ذكرى في عام

يوم الرحيل
(مطار القاهرة الدولي)

لمْ يكنْ يراودني سوى أفكار مضرجة بالخيالات والإنفعالات الفانية و الآتية المتتالية ، في يوم أنْ قررت (الرحيل) ، والذي كان قسراً ولم يكن إجبارياً في آنٍ واحد |فقد أجبرت نفسي بإبعادها عن الوطن لسنوات قليلة عجاف، من أجل العلم والتعلم| ، و في نفس  الأثناء ، أنا خيّرتُ نفسي تطوعاً لها بأن أختار العلم و التعلم أولويةً ، وجعلته الهدف المنشود فقد سطَّر المتنبي بيتاً للشعر قائلاً : لولا المشقة لساد الناس كلهم ... فالجود يفقر والإقدام قتّال .

في مثل هذا اليوم قد قررت المغادرة ، وأنْ أبتعد عن غزة و أهلها ، وبحرها وجوها و نسيمها ، لأذهب إلى بلاد يعتقد الكثير بأنها ، ستجد هناك راحتك ، و ملاذاً آمناً لك ولمستقبلك ، ولكن هيهات بأن يكون جسدك حاضراً هناك في الخارج ، وروحك ما زالت و ستدوم هنا في وطني.
قررت اليوم الرحيل عن بيتي ، وعن حارتي بعيداً عن أهلي و و أقاربي و من أكسبني ثقافتهم ، وعلمّتهم و تعلّمت منهم ، و من عشقت مجاورتهم ، و لم أسئم يوماً أو أملّ الحديث و الجلوس معهم .
هناك في ذاك الشارع في غزة ، قد تجد يوماً آثار قدماي ، و صدى صوتي ما زال يراوح مكانه فقد يكون في آذان أهل بيتي ، فقد عشنا معاً أياماً ، وقضيناها حُسن القضاء ، فقد كانت بعضها تفوق الجمال، و بعضها الآخر كان مثقلاً بالحزن .
فقد كنتُ أشاركهم بأفراحهم ، وأتراحهم ، إنه فقط في وطني...!

استيقظتُ الساعة الخامسة فجراً ، بتاريخ ـ الحادي و العشرين من أيلول ـ و ذلك بعد مجرد غفوة بعد أيام عجّت بالزيارات الفرحة الحزينة التي كانتْ تمنحني وداعها رحيلاً ، لم تمدُّ للراحةِ بصلة ، استغرقت الغفوة ساعات قليلة ، وبعدها ، استيقظتُ فأُبصِرُ حولي ، لعلها تكونُ النظرة الأخيرة لأشياء عايشتها و إن كانت "جماداً" ، بدأتُ يومي بصلاة أذكر فيها ربّي ، وأدعوه بأن يتمّ سفري على خيرٍ .
بعد ذلك  ، أكلت بعض الشيء ، والذي كان أنْ استعصى دخولَ حلقي .
قبّلتُ إخوتي ، و بنظراتٍ مؤلمة خجولة ، ولكنها تحمل الكثير من معاني الفرقة والابتعاد ،فتحتُ باب البيت ، وبخطيً أخطو نحو الخروج ، فإذا بأختي الصغيرة تبكي ورفضها بأنْ أركبَ السيارة ـ و أبتعد ـ ولكنْ لم أستطعْ ، إنه القدر فعل ما يريد...
فقد ركبت السيارة ، فبهذا ترجّلتُ عن صهوة فرس أرض غزة ، و امتطيت خيول السفر والترحال و الغربة .
أثناء طريقي إلى ميناء غزة البري ، ضجّتْ قلوبنا دمعاً ، وارتطمتْ عظام القفص الصدري وجعاً ، و ذرقت عيوننا دمعاً .
منذ ذلك الحين يؤرقني حنين الأمّ و براءةَ الإخوة الصغار ، وانتظر كانتظار أمّ لمولودها الجديد، بأن أعودَ لكي أصافح أيادهم حباً و شبقاً.


الأحد، 9 سبتمبر، 2012

أزمة اقتصادية في بلد لا يفهم سوى لغة الأزمات

نمرُّ قليلاً بأحدِ شوارع الضفة الضيّقة ، يقطن على ضفتيه أناس بسطاء ، لا يعرفون سوى الخبز و الطحين، والزيت ذو الطعم الطبيعي المصفّى من زيتونةٍ في أرضٍ ذاقت و ما زالتْ تذوق العذابات ، من مستوطنين و جيشٍ خلف ظهره لكي يحميه .
فضلاً عن ذلك بما  يمرّ به هذا الرجل الفلسطيني و ذاك الشبل الفلسطيني ، وهذه المرأة المكافحة ، فقد زادتْ أعباؤه ثقلاً و نصباً ، يتعبَ كاهله .
فنمرُّ حالياً بأزمة خانقة و غلاء أسعار ، وإذ بهؤلاء الناس البسطاء ، إذ طفح الكيل لديهم ، فلا سبيل لهم للتغيير سوى أنْ يخرجوا في مظاهرات ، لا يدركون بنتيجتها ، أو إذ بالمحتل يقرر بإرجاعهم إلى بيوتهم قسراً ، فهي ليستْ كمثيلاتها من دول .
فيخرجون بمظاهرات ينادون فيها ، بإيجاد حلول جذرية لهذه الأزمة ، التي أودت بمقتل شاب في غزة ، في عنفوان شبابه ، و ذلك لما مرّ فيه من حال لا يطاق .
فهؤلاء الشباب ينادون بالتغيير ، و إنني لأشعر بأنّ الربيع العربي يشدّ برحاله إلى الوطن ، بعد مرور سحابته من فوق تونس و مصر و اليمن و مكوثه في بلد كثرتْ فيه أنهار الدم سيولاً ـ سوريا ـ ، إذ بدأتْ بإنبعاث شرارات قد يضفي نوعاً من التغيير في حالنا السياسي والإقتصادي ، وأيضاً الاجتماعي .
إن حالنا لا يرضى به الصغير في القدس وغزة ، والخليل و بيت لحم  و جنين و أريحا , وغيرها ، و حتى الكبير من أزمات قاتلة ، فضلاً عن الانقسام الذي أدنى من أن نصفه بالأحمق.
و إذ سمعتُ قبل الأمس بأنّ فخامة الرئيس ، رئيس السلطة الفلسطينية التي تحكم نفسها ، بأنه سيلقي خطاباً للجماهير الفلسطينية في الوطن والشتات في صباح البارحة ، فقد خطر في بالي حينها ، بأن هذا أبٌ لشعب ، كما كان رئيسنا أبوعمّار ـرحمه الله ـ ، فقد زادني بهجة و أملاً ، بأنه ربما يحملُ في جعبته الكثير من الحلول المميزة ، التي قد ترضي هؤلاء الفلسطينين الذين لم يعرفوا الحلو في حياتهم ، والذين لا يعرفون سوى بقالتهم أو بسطتهم في الشارع الذي قد يحتله ذلك الصهيوني المتغطرس يوماً .
فإذا برئيس دولة فلسطين ، يتكلّم عن الأزمة بكلّ أريحية و كأنّ الشارع خرج ، ليس ليتظاهر مناهضةَ لسياسات الحكومة ، وإنما بالنصر بإسترجاع القدس!!
و أكملَ حديثه عن مواضيع سياسية ، تأخذ فقط من الوقت قليلاً ، لا شأنَ لها بواقع حياة .
و أخذَ يشدّ في حديثه إلى أنْ تكلّم عن غزة و حاكمها، و أني شعرتُ في كلامه بعضاً من الحقد الدفين ، و إذ يردّ عليه واحدٌ من سادات قومنا هنا في غزة ، بعد أقل من ساعة ، قوله : بأن أبو مازن يتنصّل من المصالحة ، عند دعوة الأخير بأنّ الانتخابات هي الحل الوحيد للغز الإنقسام ، و هي السبيل الشرعي! ، والوحيد للخروج من الأزمة الدائرة في الوطن .
و اتهامه أيضاً بأن الرئيس يريدُ أن يكبّ همّ الضفة من أزمات و مشاكل اقتصادية ، إلى غزة و على عاتق حماس .
أهولاء من حكمونا دهوراً ، أهم لهم أعينٌ لا ترى الورى إذ يئنُّ و الأقصى يهوّد ، و آذانٌ لا تسمع أنين الأطفال في غزة و القدس ، ولا يدركون التاريخ الفلسطيني ، إذ يرزحُ الفلسطيني تحت وطأة الإحتلال منذ أكثر من ستين عاماً .
ألا يكفي لنا محتل و زمرته بأساليبه القمعية ، و خططه الماكرة بأن يزيدونا الطين بله ، بحكومات ويكأنّها تحكمنا! بضمير.
فإذا بهذا شكل لحكوماتٍ تحكمنا ، فنحن بعد اليوم لسنا بحاجة إلى حكومات و سلطات تحكمنا ، و تزيدنا ألماً و تعمّق جرح أحلامنا و آمالنا ، فنريد أنْ نحكمَ أنفسنا بأنفسنا ، و نرحّب بالعصيان المدني ،فبهذا قد نشعرُ بكرامتنا قليلاً لشعب طلب الحرية كثيراً ، و غابت عنه كرامته دهوراً ... 

السبت، 18 أغسطس، 2012

العيد

في حلْقي تختنق الأمنيات
و في ذاكرتي معلقةً بين ثناياه
بماضٍ يحمل بين طياته الحلو والمرْ
اقترب العيد و كأني طفلٌ ..
أفرح بثوبٍ جديد ..
أريد بعضاً من النقود (العيدية)!
لكي أفرح..
و أشتري بعض الحلوى
و أفرح..
و أستذكر قليلاً..
حينما كنت أشتري بندقية ألهو بها
و أفرح
يا ليتَ الزمان يعود قليلاً
لكي أعودَ طفلاً
واستمتع بفرحة العيد
و لكن الآن ..!
جاء العيد
و الوطن بلا فرحة
أو رُبّ فرحةٍ يكسوها هم و وهم
يُغطيها الانفصال و الكره
والقدسُ أصبحت بلا مسؤول
والمسؤولُ أصبح نائماً
و لا يدركْ بقدوم العيد
فكيف لي أنْ أفرح
ووطني مسلوبٌ
و أنين الأقصى يؤرقني!
و دماء الأطفال في بلدي و الشام تستباح..
بأي دمية يمكنني اللهو..
ما دامتْ لونها حمراء !
و هناك أسرى خلف القضبان بلا عيد
و جرحى و ثكلى و يتامى بلا معيِّد
و أنا في المنفى ..
أنادي و أرحب بقدوم العيد
ولكنْ..!
بلا قلب صادق بمحبته و مجيئه
فلا عيد لي ...
فهناك في المنفى ..
أفتقد الحلوى و البندقية ،و الدمية
لكي ألهو مع أصدقائي
فعذراً منك يا عيد
لا تقترب مني
فلا عيد لي بعد اليوم

و لكن لا مجال لي سوى
أنْ أقدم بعض الرسوم فرحاً بالعيد
فكل عام و فلسطين الى أعيننا أقرب
و أنتم إلى الله أقرب
و أدام الله بيوتنا وأوطاننا أفراحاً لا تنضب!!

18-آب-2012
عشية عيد الفطر 30-رمضان